• ×

اصدارات جديدة

الروح القدس لا تهود

المجلات أبو علي حسن
التاريخ 04-08-2013
رقم الموضوع 25
التفاصيل
الروح القدس لا تهود والحلم فوق التهويد


اسم الكاتب : أبو علي حسن (*)

القدس هي المدينة المقدسة التي كانت ولا زالت تستحوذ على اهتمام ملايين من البشر على سطح الكرة الأرضية, المدينة التي ورد ذكرها في الكتب السماوية, مسرى النبي محمد عليه السلام, مدينة السلام, والرحمة مقصد رجال الدين, والباحثين, والرحالة والرسامين والفنانين على مر العصور, تلك المدينة التي قال عنها أحد الباحثين, إن الله تعالى قسم الجمال إلى عشرة أجزاء...منح القدس منها تسعة أجزاء...ووزع الجزء العاشر على الكرة الأرضية في إشارة إلى قيمة وأهمية وجمالية هذه المدينة التي غنّى العالم لها..إنها زهرة المدائن...قدس فلسطين...فلسطين العروبة.
مدينة القدس اليوم بأكملها تحت الاحتلال الصهيوني منذ عام 1967 وعام 1948 غير أنها حاضرة في وجدان الملايين من أصحابها العرب والمسلمين والمسيحيين على مستوى الكرة الأرضية.
تتعرض مدينة القدس اليوم إلى أبشع عملية تهويد عبر التاريخ...وذلك عبر السياسات والخطط والبرامج الاسرائيلية الرسمية...لأجل تغيير معالم المدينة المقدسة...وطمس معالمها التاريخية الدالة على هوية الشعب الفلسطيني العربي الذي أقام فيها وكون هويته الوطنية والدينية والثقافية والاجتماعية على أرضها عبر آلاف السنين.
إن الحديث عن تهويد القدس...يعني جعل القدس مدينة يهودية خالصة وخالية من تراثها الفلسطيني والعربي...وخالية من آثارها وأوابدها وكنوزها وعمرانها ومساجدها ومعابدها وقصورها...أي محو كل أثر يدل على الحق التاريخي لشعب فلسطين بهذه المدينة...في محاولة لإثبات أن القدس هي ارض الميعاد وأرض الآباء والأجداد للشعب الاسرائيلي.
لقد عملت "اسرائيل" منذ عام 1967 إلى اليوم على تدمير البعد التاريخي والثقافي والروحي لمدينة القدس..وسعت جاهدة عبر الأبحاث والتنقيب عن الآثار في كل زاوية من زوايا القدس الشريف لإيجاد دليل تاريخي وروحي لأحقية الشعب اليهودي في القدس...,في سياق هذا البحث والتنقيب كانت تدمر كل أثر أو معلم تارخي له علاقة بالشعب الفلسطيني العربي أو الإسلامي...ولم تستطع حتى اليوم أن تجد دليل أو برهان أثري وتاريخي على الوجود التاريخي لشعب اسرائيل على أرض القدس...سوى معزوفة حائط البراق ما يسمونه (حائط المبكى) الذي تحول إلى قبلة اليهود ومقام شعوذاتهم وهذيانهم...وقد قامت بإزالة حارات وشوارع في القدس لها ارتباط تاريخي بالوجود العربي مثل حارة المغاربة...وحي باب السلسلة...وحارة سوق الحصر.
أقدمت "اسرائيل" على وضع مخطط وتصميم جديد "خريطة جديدة" لمدينة القدس والحرم الشريف...في محاولة لمحو الوجود الحضاري العربي داخل القدس وحول الحرم القدسي الشريف...حيث أقدمت على إزالة العديد من العقارات والأبنية السكنية والمحلات التجارية والمعالم التاريخية...وأجلت السكان المقيمين والعاملين فيها...تحت حجة أن هذه الأبنية والعمران إما آيلة للسقوط وإما أنها تحتاج لبنية تحتية للصرف الصحي وخلافه...وأقامت بنيان عمراني جديد وحديث الطراز في وسط الأحياء التاريخية للمدينة وذلك لإعطاء مدينة القدس طابعها الحديث الدال على الأثر والفعل اليهودي.
إننا أمام مخطط ممنهج يكتسي رؤية عملية وميدانية على الأرض..تتحمل الوزارات الاسرائيلية المتعاقبة ترجمة هذه الرؤى لصناعة مدينة يهودية جديدة على أنقاض القدس التاريخية...ولا تقف عند حدود العمران...إنما الأمر يتعدى ذلك الى العبث بروح التاريخ...وصوره الأثرية...فنجدها تستولي على الموجودات والأيقونات الأثرية من المتاحف الفلسطينية...وتنقلها إلى المتاحف الاسرائيلية...وتقوم بتدمير بعضها الدال على الوجود التاريخي العربي.
كما نجدها تتعدى على التراث الشعبي...والفلكلور الفلسطيني الذي يمتزج مع التاريخ الفلسطيني العربي...وتخلق منه تراثاً وفلكلوراً مزيفاً وخادعاً...ونسب بعض هذا التراث الى الشعب اليهودي...وترويجه في الأسواق العالمية باعتباره تراثاً "اسرائيلياً".
ولا تكتفي "اسرائيل" بذلك لأجل تهويد القدس...إنما تلجأ إلى تهويد المدينة عمرانياً وسكانياً...حيث عملت ولا زالت على إحداث خلل كامل في التوازن الديمغرافي في المدينة...وعلى كل الأصعدة...فوضعت ما سمي بـ "مشروع خطة القدس 2020" الذي يرمي إلى طرد الفلسطينيين والسكان المقدسيين من المدينة وإبقاء 12% فقط منهم مؤقتاً...وإحلال مليون يهودي بالمدينة...وعليه فقد أحاطت القدس بالجدار العنصري الذي فصل أجزاء من القدس وسكانها...وفصل القدس عن باقي المدن الفلسطينية لتصبح مدينة معزولة عن محيطها العربي...وتابعة إلى بلدية القدس الكبرى.
ولم تكتفي بذلك بل عمدت إلى إقامة أكثر من ثلاثين مستوطنة في مدينة القدس بشكل دائري ويقطنها أكثر من مليون يهودي وفق الخطة...وفي سياق التطهير العرقي عملت وزارة الإسكان الاسرائيلية على بناء أكثر من (4436 وحدة سكنية) في القدس الشرقية خلافاً للمستوطنات منذ مؤتمر أنابوليس وجاري العمل على بنائها وفق المخطط الاسرائيلي.
من هنا فنحن الآن أمام تهويد حقيقي مبرمج...أقلية عربية ليس لها علاقة بتاريخها ولا حاضرها أو مستقبلها...اي حرمانها حتى من الحلم...وأكثرية يهودية تصنع ما تشاء وتعبث فيما تشاء لتصبح القدس يهودية خالصة...والجدير بالذكر أن الكنيست قد أخذ قراراً مبكراً بضم القدس العربية إلى ما سمي بالقدس الاسرائيلية وإلحاقها بها إدارياً وسياسياً ومالياً...
وفي السياق ذاته..عملت "اسرائيل" على مصادرة آلاف من بطاقات الهوية المقدسية التي يحملها الفلسطينيون تحت حجة أن هؤلاء يعيشون خارج مدينة القدس...ومن جراء هذه السياسة فقد سقطت أحقية عشرة آلاف فلسطيني بالإقامة في قدسهم الشريف...
ولم تكتف اسرائيل بذلك...إنما تلجأ الآن الى سياسة التهجير من المدينة...خاصةً من المناطق المكتظة بالسكان الفلسطينيين...وقد أقدم إيهود باراك وزير الدفاع الاسرائيلي في سبتمبر عام 2008 على طرح حل يقوم على نقل أحياء كاملة من القدس إلى أراضي السلطة الفلسطينية..وأية أراضي هي اليوم للسلطة...؟؟
وفي السياق ذاته عمدت "اسرائيل" الى التحايل في الاستيلاء على بيوت المقدسيين...والمنشآت المقدسية...فاستولت على الكنيسة الأرثوذكسية في القدس مع بداية الاحتلال... واستثمارها في عملية تهويد القدس...وباعت مقبرة "دير مارسابا" وأراضي من جبل أبو غنيم في القدس...وباعت مأوى لحجاج القدس من أهل موسكو...وأراضي من جبل أبو الطور...وساحة عمر بن الخطاب من البلدة القديمة...وصادرت أكثر من أربعمائة كم2 من الآراضي حول القدس لتوسيع المستوطنات...وبناء جدار الفصل العنصري...حيث حاصرت أكثر من (250 الف فلسطيني) وأخرجت أكثر من (30 ألف فلسطيني) خارج القدس من أجل التغيير العمراني والديمغرافي...
وعلى ذات الفكرة والتهويد...سعت "اسرائيل" ولا زالت الى الترويج بأن مدينة القدس هي العاصمة الأبدية والتاريخية للشعب اليهودي...وهم بناتها عبر التاريخ وإلى اليوم...وأن القدس وردت في التوراة عشرات المرات للدلالة على تاريخية الوجود اليهودي, وطالبت العالم ودوله بنقل سفاراتهم إلى القدس الشرقية...في محاولة للحصول على الاعتراف الدولي بالقدس (عاصمة لاسرائيل) من هنا نرى أن السياسية الإعلامية حول مدينة القدس متجاورة ومتناغمة مع سياسة التهويد والتغيير ضمن المخطط المرسوم.
في ضوء ذلك فنحن أمام سياسة اسرائيلية...ممنهجة ومبرمجة زمنياً ومكانياً وإدارياً وإعلامياً وسياسياً لتهويد القدس وبشكل متسارع وطمس معالمها وهويتها العربية...وكسب تعاطف واعتراف العالم بهذا الواقع الجديد.
بيد أن هذه السياسة ليست وليدة اليوم...إنما هي ترجمة أمينة للرؤية الغربية منذ أوريان الثاني قائد الصليبيين...وللرؤية الصهيونية منذ مؤتمر بازل 1897...فحلم الغرب بالقدس لم يتوقف...وإذا كان هذا الحلم قد ضرب مع عودة القدس بقيادة صلاح الدين..فإن الغرب ظل ينتهز الفرصة للاستيلاء على القدس بكل الطرق...إلى أن كانت ضالتهم في الحركة الصهيونية العالمية...
فقد أعلن هرتزل في مؤتمر الحركة الصهيونية الأول في بازل قائلاً: (إذا حصلنا يوماً على مدينة القدس...وكنت لا أزال حياً وقادراً فسوف أزيل كل شئ فيها ليس مقدساً لليهود...وسوف أدمر كل الآثار التي مرت عليها قرون...) من هنا فإن فكرة التهويد...هي فكرة غربية يهودية مبكرة...
وجاء شارون بعد قرن من الزمان ليترجم أحلام سلفه هرتزل قائلاً (إن القدس ملك لاسرائيل...وإنها لن تكون بعد اليوم ملكاً للأجانب) وأعلن بيريز حمامة السلام عند العرب...عن خطة للتهجير الجماعي للمقدسيين من مدينة القدس كحل أمثل لتهويد القدس..!!!
من المؤسف أن كلمة تهويد كاصطلاح تمر على مسامعنا كاصطلاح سياسي دون أن نعي مضمونه وفكرته وأهدافه ومخاطره وتبعاته...الأمر الذي يفقدنا حتى الإحساس بأن جزءاً منا...من روحنا...من جسدنا...من وعينا...من تاريخنا يستلب منا في وضح النهار دون صرخة...ودون تأنيب ضمير...
ما هي مسؤولياتنا نحن العرب والفلسطينيون تجاه هذا الواقع...؟؟
أولاً: إن الصرخة. والفعل في مواجهة هذا المخطط في تهويد القدس...هي صرخة وفعل من أجل كل فلسطيني...فالتهويد طال عكا وخيفا واللد ...وبيت لحم وبيسان...لقد تم تغيير أسماء الآف القرى والمدن والأودية والجبال والمواقع والعيون والآبار بأسماء عبرية...فلا يجوز ان يكون هناك فصلاً تعسفياً بين مواجهة تهويد القدس ومواجهة تهويد فلسطين..واليوم يجري العمل على تهويد النقب عبر مشروع برافر الهادف إلى تهجير العرب ومصادرة أراضيهم.
ثانياً: هذا الأمر يستدعي تشكيل هيئة فلسطينة مهمتها رصد كل عمليات التهويد في القدس ومدن فلسطينية بشكل دائم ...وتعريف العالم العربي والإسلامي بما يدور على أرض فلسطين وتبيان مخاطره ...ليس على المستوى الفلسطيني...وإنما على المستوى العربي والإسلامي وباقي الديانات...فالتهويد هو نقيض كل ما هو غير يهودي على كل المستويات الثقافية والاجتماعية والسياسية والدينية...
ثالثاً: إن السلطة الفلسطينية باستمرار تفاوضها مع الاحتلال في ظل عمليات التهويد المستمرة تعطي الفرصة للاحتلال للاستمرار في التهويد والتهجير والطرد....وعليه فإن السلطة مطالبة بوقف عملية التفاوض فوراً...وطرح المسألة على الهيئات الدولية ومجلس الأمن...وإثارة غضب سياسي وإعلامي على المستوى العالمي دون خوف على ما يسمى العملية السلمية..
رابعاُ: تشكيل هيئات ومؤسسات فلسطينية وعربية ...تقف عملياً وبرمجياً في مواجهة التهويد عبر الدعم المالي...ومقاومة التهويد بكل السبل الممكنة...
خامساً: حث المؤسسات الدولية على لعب الدور الأكبر في توضيح وكشف المرامي الاسرائيلية من التهويد ومخاطره...
سادساً: هناك العديد من الأفعال والنشاطات المحلية والإقليمية والدولية الممكن أن تقوم بها شعوب المنطقة...بيد أن المسؤولية اليوم تقع بالدرجة الأولى على الأنظمة العربية الرسمية التي ما انفكت تتحدث عن السلام...ففي ظل السلام...واستراتيجية السلام...ومؤتمرات السلام...وأفكار السلام...والجدل على السلام...ضاعت مدينة السلام...وتم تهويد القدس...رويداً رويداُ في غفلة من شعوبنا المستضعفة وفي جهل من حكامنا وأنظمتنا...
يخطئ من يظن أن فلسطين...حتى لو هوّدت معالمها...وعمرانها ولو استبدل سكانها...بيهود العالم...يمكن أن تنتهي كقضية وطنية...عربية إسلامية...فالروح لا تهود ...والتاريخ لا يهود...والحلم فوق التهويد



* عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين