الاشتراكية إمكانية واقعية
اسم الكاتب : أحمد سعدات (*)
لم يأخذ نجاح خطة الهجوم الأمريكية المعاكسة على الاتحاد السوفيتي وقتاً طويلاً, فقد صيغت على يد مستشار الأمن القومي الأمريكي بريجنسكي في إدارة الرئيس ينكسون عام 1971 , وقد استندت الخطة على المحاور التالية :
1- توسيع رقعة الخلاف السوفيتي الصيني عبر الانفتاح على الصين والاعتراف بها ممثلاً وحيداً لدولة الصين في الأمم المتحدة بديلاً لتايوان.
2- تفعيل وإسناد مجموعة الضغط داخل الاتحاد السوفيتي تحت شعارات الديمقراطية , وحقوق الإنسان , وفي إطار المجموعات اليهودية المطالبة بالهجرة .
3- النفخ في التناقضات القومية لمكونات جمهوريات الاتحاد السوفيتي وبعد أقل من 20 سنة بدأت دول المنظومة الاشتراكية بالتهاوي الواحدة بعد الأخرى , وصولاً إلى القلعة الكبرى للاتحاد السوفيتي , وبديهياً أن لا ننسب هذا السقوط إلى نظرية المؤامرة والعدو الخارجي ,فأسباب الانهيار كانت داخلية بامتياز شأنه شأن أي عملية تغيير، فقد استطاع المطبخ السياسي الأمني الأمريكي قراءة تناقضات هذه المنظمة الداخلية وساعدت في النفخ فيها . وهذا يعني أن تراكم سياسات البناء الداخلي الخاطئة وصل إلى المستوى الذي لا يمكن إصلاحه , وبعبارة أخرى فإن المرض المزمن بات يحتاج لعملية جراحية وهذا ما عبرت عنه ثورة الطبقة الوسطى والمثقفين والأمم المكونة للاتحاد السوفيتي . صحيح أن البديل المنتج لم يكن أكثر رقياً أو تقدماً قياساً بالنظم السياسية المنهارة , وأن ما حدث كان بشكل أو بآخر نماذج للثورات المضادة , لكنها في نهاية المطاف كانت خياراً شعبياً التفت حوله الجماهير بما في ذلك الطبقة العاملة التي من المفروض أن تكون أداة حماية للاشتراكية . ومع ذلك انهيار الاتحاد السوفيتي حلقة أخيرة في هذا المنظومة تنفست أمريكياً الصعداء , فقد بدأ عصرها وانبرى مفكروها ينظرون لخلود الرأسمالية كما جاء على لسان المفكر الأمريكي من أصل ياباني فوكوياما ( إن الرأس المالية نهاية التاريخ ) كما انهارت أحلام وتوقعات شعوب العالم الثالث وحركات التحرر الوطني الديمقراطية . وإذا كان من السهل تبرير انهيار تجربة كومونة باريس كأول محاولة لتجسيد دولة العمال في عصر نهوض الطبقة العاملة ونضالها من أجل الاشتراكية , فالأولى حددت أسباب هزيمتها بعدم النضج الكافي للظروف الموضوعية وبعدم إقدام قادتها على تحطيم آلة الدولة البرجوازية , أما الثانية فقد استقرت أوضاعها خاصة في روسيا بعد انتصار الطبقة العاملة في الحرب الأهلية , وبعد أن قادت دولة الاشتراكية المنتصرة والتحالف الدولي في انتصارها على النازية والفاشية في الحرب العالمية الثانية , وتحرير دول شرق أوروبا وبناء أنوية اشتراكية ديمقراطية شعبية فيها , كما استطاعت أن تنقل رياح التغيير إلى العديد من دول أسيا , وإن تحقق قوانين الثورة في الصين , وفيتنام , كوريا , لاوس وكمبوديا , واستنهاض الأحزاب العالمية والاشتراكية في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية , وشكلّت شبحاً ثقيل الظل على كل النظام الرأسمالي العالمي إبان الأزمة الاقتصادية الكبرى عام 1929 , وعليه فمن الصعب حصر أسباب هذا الانهيار أو تسطيعه بالعوامل الفنية وغض النظر عن تحليل السياسات التي أنتجتها هذه الدول وسوقتها بأنها اشتقاق في المبنى العام للماركسية . كما لا يمكن أن نعيد الأسباب إلى جهل الشعوب التي شكلّت وقوداً لهذه الثورات هي نفسها التي حملت لواء الدفاع عن الاشتراكية في وقت سابق , وأنها انخرطت في هذه الثورات من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية . ومع أنها لم تنتج الأفضل ولم تحقق الحرية والديمقراطية والازدهار الاقتصادي , لكن ذلك ليس كافياً لوصفها بالثورات المضادة فقط . فاللجوء إلى هذا المنطق في الرد على تداعيات الهزيمة , يضع أصحاب هذا الرأي في عداد المدافعين عن سلطة الكنيسة أو الخلافة الإسلامية التي بررتها هزيمة سلطاتها بابتعاد الجماهير عن الدين .
فالماركسية ليست مذهباً أو ديناً أو مجموعة من التعاويذ بل منهج أسس على قوانين العلوم الاجتماعية والتاريخية والاقتصادية والطبقية، واستمرار تماسكه المنطقي يستمده من قدرته على مواكبة كل ما هو جديد في هذه العلوم لإغناء مضمونه . ولأن هذه الزلازل لم تكن عرضية أو عابرة , فمن الطبيعي أن يؤثر على كل المنظومات الفكرية والسياسية التي استمدت مبررات وجودها من الحقيقة المجسدة لرؤيتها في الدول الاشتراكية ولعل أول من تأثر ووصل حافة الانهيار كان منظومة الأحزاب الشيوعية الرسمية التي مثلها الاتحاد السوفيتي , فيما لم تتأثر بعض المجموعات كالتروتسكية والماوية أو القوى التي استقلت برؤيتها عن المدرسة الرسمية التي لا ملاحظات انتقاديه على التجربة السوفيتية , فالتروتسكيون اعتبروا تجربة المنظومة الاشتراكية وسياساتها خروجاً وانحرافاً عن منطق الثورة الاشتراكية ومبناها النظري أو الجمود والتحجر وافتقاد العملية والخروج عن منهج الماركسية الدياليكتيكي , ووصفوها بنموذج البيروقراطية الثورية , التي تستطيع على حد تعبيرهم الاستفادة من الدفعة الأولى التي أعطتها الثورة الشعبية باستنهاض الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية , ولكن بعد ضوء وهج هذه الدفعة وسرعان ما تضع هذه الأنظمة وجهاً لوجه أمام تناقضاتها الداخلية , فهذه التجربة استعاضت من جهة على سلطة الجماهير الشعبية بسلطة الحزب , وعن سلطة الحزب بسلطة الزعيم وأصبحت من وجهة نظرهم أشبه بسلطة الكنيسة , فقد صارت سلطة القادة سلطة الشعب وصادرت دورها واحتجزت مبادراتها ,كما افتقدت للديمقراطية الشعبية التي تعطي الدولة الجديدة مضمون سلطة الشعب المؤطر في مؤسسات وجمعيات واتحادات ونقابات ونساء ... الخ , كما أعادت إنتاج نمط علاقة الإلحاق للشعوب التي التحقت طوعا في الاتحاد العمالي الجديد , ولن تجسد المضمون الحقيقي لحق الأمم في تقرير مصيرها , وأخيرا جمدت ميكانيزمات الثورة الدائمة , أولا : على الصعيد الداخلي بالمحافظة على اندفاع الجماهير ومشاركتها , ثانياً : في عملية الدفع نحو استنهاض الطبقة العاملة في البلدان الرأسمالية ومدها بأسباب القوة , فقد تحولت الدولة الاشتراكية حسب رأيهم إلى دولة لا تختلف في سياساتها الخارجية عن الدول الرأسمالية المحكومة بتوازن المصالح . أما الماويون فقد تمادوا وبالغوا في وصف (رجعية) الدولة السوفيتية إلى درجة وصفها ( الدولة الامبريالية الاشتراكية ) , وفضلاً عن هذه المواقف التي جرمت التجربة منذ البداية كان هناك العديد من الانتقادات داخل إطار هذه التجربة في ظل وجهها الثوري , وليس أجل على ذلك مما قدمه غرامشي من رؤيا تستند إلى تعميق مضمون الدولة الاشتراكية الديمقراطية , وتقديمه النموذج الحي للكتلة التاريخية القادرة على استنهاض الجماهير في مرحلتي الثورة والبناء, هذه الأفكار التي تستمد منها تجربة بناء مؤسسات المجتمع المدني , وإذا شئنا التشخيص أكثر يمكن الاستدلال على عملية تحنيط النظرية أبان الحقبة الستالينية وما تلاها بالعودة إلى الأفكار التي قدمها لينين حول الثورة والدولة , وإنعاش المبادرة الشعبية وعناوين الديمقراطية في ممارسة الدور القيادي للحزب , أو ما قدّمه لينين حول حق الأمم في تقرير مصيرها , أو في مضمون السياسة الاقتصادية الجديدة التي أقرها الحزب أثناء قيادته له . فقد أدرك لينين أن روسيا غير مهيأة للانتقال الفوري للاشتراكية دون أن تقوم الطبقة العاملة بالدور الذي كان مناطا بالبرجوازية لكنس بقايا الإقطاع وكل أنماط الاقتصاد قبل الرأسمالية وعليه حدد سياسته ضمن العناوين التالية :
أولاً: أن على الدولة السوفيتية أن لا تقوم بسياسة حرق المراحل والقفز عن ضرورات إعطاء الرأسمالية مداها في تطوير الاقتصاد والتهيئة للانتقال نحو الاشتراكية , سواء عبر إنجاز الإصلاح الزراعي الذي يشكل عصب التحول الديمقراطي الذي كان أحد مهام البرجوازية للقضاء على علاقات الإنتاج الإقطاعية التي تعيق بناء السوق وضرورات تسريع ديناميات التطور الاقتصادي .
ثانياً: الدعوة بناءً على ما سبق إلى تشجيع الرأسمال المحلي واستحضار الرأسمال الأجنبي للعمل في روسيا ومنحه الحوافز , والامتيازات التي كانت تحظى بها في المجتمع السابق خاصة للكفاءات العلمية والتقنية والحاجة لها لبناء كادرات مؤهلة في الطبقة العاملة لقيادة مؤسسات المجتمع الجديد .
ثالثا : ما سبق يعني أن لينين وأن روسيا بحاجة إلى مرحلة انتقالية تتعايش فيها أنماط الإنتاج المتباينة الرأسمالية المتجسدة في القطاع الخاص والاشتراكية التي يمثلها القطاع العام , تحت قيادة وإدارة الطبقة العاملة والدولة السوفيتية . وإذا ما انتقلنا إلى السياسة فإن الحزب الشيوعي لم يدعو إلى إقامة دولة الحزب الواحد , فأول بناء للدولة السوفيتية استند إلى وجود ثلاثة أحزاب في البرلمان , هم الحزب الشيوعي وحزب الاشتراكيين الثوريين اليساريين , والجناح اليساري للحزب الاشتراكي الديمقراطي المناشفي لكن تداعيات الحرب الأهلية وانضمام هذه الأحزاب إلى الثورة المضادة وجبهة الخصوم أنهى وجودهم السياسي وحقهم الديمقراطي في المشاركة في السلطة , فمن يقرأ كتاب لينين ( مهام الاشتراكية ) الديمقراطية في الثورة الديمقراطية يستطيع التعيين أن الديمقراطية ببعدها السياسي والاجتماعي كانت محورية في برنامج الحزب , كما أن الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني الذي عمل بتوجيهات ماركس وكارل ليكينخت وبيبل رأى أن استكمال الثورة الديمقراطية جزءاً سياسياً من مهام الحزب ومرحلة ضرورية للانتقال إلى الاشتراكية . ودون الحاجة إلى الإسهاب فإن كل الأدبيات الماركسية لم تضع تعارضا بين الديمقراطية والاشتراكية , بل على العكس فقد بينت أن الديمقراطية لا تكتمل إلا حين تنتصر الاشتراكية ويصبح العامل حرا من عبودية رأس المال وعليه اعتبر قادة ومفكرو الماركسية ( أن الطبقة العاملة هي الطبقة الأكثر تأهيلا لقيادة وإنجاز الثورة الديمقراطية ) , وأن الطبقة العاملة حين تتحرر فإنها تحرر كل الطبقات معها , ماركس وفي إطار العلاقة مع القوميات أوضح قائلا أن : ( ليس حراً شعباً يضطهد شعوباً أخرى ) , وأما لينين في مؤلفه حق الأمم في تقرير مصيرها فقد سخر من آراء بعض قيادات الحزب التي خشيت من أن إعلان هذا المبدأ من شأنه أن يفسخ وحدة الطبقة العاملة في روسيا والبلدان الملحقة بها في ذلك الوقت , ويشدد على ضرورة الأخذ بمبدأ حق الأمم في تقرير مصيرها السياسي بما في ذلك الحق في الاستقلال وإنشاء دولها القومية الخاصة , وإن اتحاد هذه الدول في إطار الدولة الاشتراكية يجب أن يكون طوعياً , ومن خلال الإرادة الحرة لشعوب هذه الأمم ومن يقرأ كتابات ماركس عن الديمقراطية يجدها متقدمة في حين زمانه عن أقصى الآراء البرجوازية التي نادت بالديمقراطية , سواء عن تناولها لحرية الاعتقاد والتعبير , والصحافة وغيرها من مضامين الديمقراطية , فقد رأى مثلاً في قانون الرقابة على الصحافة أسوأ تعبير عن مطاردة حرية الرأي والتفكير , واعتبر أن وجود مثل هذه الهيئة ليس القصد محاسبة الكاتب عن خرقه للقانون الصحافي بل وأيضا محاسبته على النوايا , وشدد على ضرورة وجود قانون واضح لحماية حرية الصحافة وليس تكميمها . وقبل أن تجاهر الامبريالية بحقوق الإنسان بأكثر من قرن كان من أشد المدافعين وأكثرهم انسجاماً عن حقوق الإنسان . والآن إذا كانت هذه الأبعاد التي شكلت أسباباً للثورة على نظم الاشتراكية جزءاً من الفكر السياسي للماركسية، اذن لماذا انهارت هذه الدول ؟ الجواب المنطقي المنسجم مع الطابع الثوري للماركسية هو أن هذه التجارب انحرفت عن منهج النظرية , ليس فقط في التطبيق , لأن التطبيق استند إلى رؤية نظرية اختزلت المضمون العلمي للفكر الماركسي في محاور أساسية كالديمقراطية والبناء الاقتصادي والثورة الأممية , فبعد أن كانت الأممية الشيوعية ( الكومنترن ) تعبر عن أرقى منبر حر لتبادل الأفكار وإغناء النظرية وتجارب الأحزاب الشيوعية , ووصلت محاكماتهم إلى إجازة وجود أكثر من حزب شيوعي في بلد واحد يمكن عن طريق الحوار إنجاز وحدتها ,فإن هذه المؤسسة بعد وفاة لينين تحولت بالتدريج إلى كنيسة تكفر من لم يأخذ بقراءتها أو آراء ستالين أو الحزب الشيوعي تحت قيادته , وتمادى الحزب في مطاردة وتصفية أهم المفكرين أمثال : تروتسكي , زينومينف , كامينف ويوخارين , وكمافون غرامشي وقد لوحق تروتسكي إلى المكسيك وتم اغتياله , وفي تطور الحزب اللاحق أصدرت فرمانات التكفير بحق العديد من المفكرين من أمثال : ماندل والمفكر تروتسكي المعاصر الذي قدم أدق تحليل لتطور الرأسمالية في حقبة العولمة , كما أن فرانزفاتون الذي أبدع في قراءة دور الفلاحين الثوري في مرحلة التحرر الوطني , ووضع فكر خارج أيدولوجياً الطبقة العاملة , فالمؤسسة التي أسست لانتصار ثورة أكتوبر الاشتراكية واستندت إلى منهج التفكير العلمي تحولت إلى كنيسة كاثوليكية تعطي صكوك الغفران لمن لبس قفطانها والحرمان لمن اختلف مع تعاليمها . هذه المؤسسة التي كانت تقود تجربة قيمة في مواجهة الرأسمالية العريقة والمتجذرة والمستندة إلى نظام امبريالي دولي لنهب الشعوب , ومن الطبيعي أن تهزم وأن تخنق التجربة وتمنع عنها الماء والأوكسجين اللازمان لتجديد الحياة .لكن هل يؤسس كل ذلك الدعوة إلى العودة لتعالم ثورة أكتوبر , وكل مل قدمّه آباء الماركسية لتصويب المسار ؟ بالطبع لا لأن منطق الماركسية الجدلي لا يقر إلا بما تصطفيه الحياة , فلو أخذ ثوريو روسيا بأن الثورة مرشحة للانتصار في أكثر بلدان الرأسمالية تقدما لما انتصرت الثورة في روسيا , وعليه فإن منهج الماركسية الجدلي يرفض الجمود ويدعو على الدوام لقراءة تناقضات العصر الكونية والمحلية لأي تجربة كما هي في الواقع ,وصياغة برامجها على أساس هذه القراءة العلمية للتناقضات في ظروفها التاريخية الملموسة وهذا يعني أن التجارب الثورية لا يمكن أن تكون نسخا كربونية وإن استندت إلى القوانين العامة للثورة الاشتراكية فلكل ثورة إضافة لذلك قوانينها الخاصة . فقد جاءت الثورة الصينية وانتصرت بفعل برنامجها المستند إلى قراءة تناقضات الواقع الصيني وشكلت إضافة نوعية جديدة , وطورت الديمقراطية الاشتراكية بالطبعة الملموسة التي تعكس واقع الصين الاقتصادي والاجتماعي الملموس , وأغنت التجربة الثورية العالمية بتقديمها رؤيا للجمع بين المهام الوطنية والديمقراطية والتي أسماها ماوتسي تونج بالثورة الديمقراطية الجديدة , كما جاءت التجارب الثورية في كل من فيتنام ولاوس وكمبوديا وكوريا , إضافات وإسهامات جديدة , ونفس الشيء يمكن أن يقال عن تجربة زيمبابوي في ظروف التمييز العنصري أو الثورة في كوبا أو اليمن الجنوبي .
وبإعادة قراءة النتائج التي تولدت عن زلزال ما يسمى بربيع الشعوب في أوروبا الشرقية وروسيا , نرى أن الأحزاب التي التزمت بالماركسية بمنهج علمي وأنتجت نظريتها الثورية قد استطاعت التواصل والبناء على إنجازاتها , وكان التأثر بالزلزال عارضا ومؤقتا , فالأحزاب الشيوعية والاشتراكية في أمريكا اللاتينية تحقق اليوم انتصارات في ذروة عصر الهيمنة السياسية والاقتصادية لإمبريالية العولمة , وفي القارة التي كانت تعتبر الحديقة الخلفية لأمريكا , لكن كل ما تقدم لا يجيب سوى عن جانب واحد من السؤال , أما الجانب الأساسي فيوفره السؤال المركزي , فيما إذا كان انتصار الرأسمالية قد أوجد حلا للتناقضات الكونية , ولتناقضاتنا بشكل خاص التي أوجدت المناخ والشروط التاريخية لانتصار الاشتراكية السابق . فما هي هذه التناقضات التي تشكلت فيما مضى مضمون الحقبة التاريخية الكونية ؟ عشية انتصار ثورة أكتوبر الاشتراكية , شخص لينين التناقضات الكونية التي تمركزت في روسيا وأسست لانتصار الثورة فيها بما يلي :
أولا : التناقض بين العمل ورأس المال على المستوى الدولي المعبر عنه بالصراع بين الطبقة العاملة والرأسمالية .
ثانيا : التناقض بين الدول الرأس مالية في صراعها على توسيع أسواقها والتي أسست للحربين العالميتين الأولى والثانية .
ثالثا : الصراع بين الأمم المضطهدة في بلدان المستعمرات والامبريالية , كتناقض بين حركة التحرر الوطني والاستعمار الأجنبي .
رابعا : التناقض بين البرجوازية الوطنية والطبقات الشعبية في بلدان التحرر الوطني . وبعد انتصار الثورة الاشتراكية أضيف التناقض بين المعسكر الرأسمالي والمعسكر الاشتراكي إلى لوحة التناقضات وعبر عنه بالصراع بين أمريكا والاتحاد السوفيتي , واعتبره أنصار المدرسة الشيوعية الرسمية التناقض الرئيسي الذي ينظم مجمل تناقضات الكون . والآن هل أنهى انتصار الامبريالية في الحرب الباردة وسقوط المنظمة الاشتراكية إلى حل هذه التناقضات ؟؟ الجواب قطعاً بلا .
1- فالتناقض بين العمل ورأس المال بمعزل عن طابع تغيير وسمات الطبقة العاملة ورشوتها عن طريق حل أزمات الدول الرأسمالية على حساب نهب شعوب دول المحيط , فقد اضطرت الرأسمالية إلى تقديم تنازلات للطبقة العاملة . أولا بفعل نضالها , وثانيا من أجل احتوائها , تمثلت بتحسين مستواها المعيشي وتوسيع شكلية الضمان الاجتماعي لكن هذه الإجراءات وإن خفضت من حدة الصراع الطبقي لكنها لم تستطع إلغائه كتناقض موضوعي بين الطبقة العاملة والرأسمالية , والتي انضم إليها حلفاء جدد من أوساط الطبقة الوسطى والمثقفين والمنبوذين والملونين المهاجرين من أقطار العالم إلى بلاد السمن والعسل . ومع اتساع ظاهرة الحركة الشعبية المناهضة للعولمة والامبريالية , هذا الشكل الجديد لتنظيم الطبقة العاملة على المستوى الدولي سوا دليل على عجز الرأسمالية عن حل تناقضاتها أو إلغاء أزمتها العامة أو داخل كل قطر , فالأزمة المالية التي عصفت بهذه الدول لا زالت تعيش الجماهير تحت وطئتها سوى دليل إضافي على استمرار فعل هذا التناقض .
2- كذلك فإن التناقض بين الدول الامبريالية لا زال سمة ملازمة لعلاقاتهم وله تجلياته السياسية والاقتصادية , فالقطب الواحد بزعامة أمريكا بدأ يخلي مكانه لعالم متعدد الأقطاب بأشكاله السياسية والاقتصادية , ونستطيع الجزم بأن الوحدة القصرية التي حكمت علاقات الدول الرأسمالية في حقبة الحرب الباردة بدأت بالتفكك , وبدأت العديد من الدول بالتعبير عن نفسها سياسيا خارج العباءة الأمريكية , فضلا عن نشوء أقطاب جديدة كالصين والهند ودول أمريكا الجنوبية بدأت باحتلال موقعها في حلبة الصراع الدولي , إضافة لبروز الدور السياسي الروسي ودعوته بفاعلية إلى مسرح الأحداث وإن كان بدور مختلف عن مضمون دورها كدولة اشتراكية , ولا شك أن ترفع أمريكا شعار الحرب على الإرهاب وصراع الحضارات يعبر عن محاولة لاحتواء دول العالم الرأسمالي لعباءتها ومؤشرا على هذا التفكك.
3- نفس الشيء يمكن أن يقال عن الصراع بين دول المركز والمحيط الذي اتسعت رقعته بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وانطلاقة النزعة العدوانية والامبريالية والأمريكية على وجه الخصوص من أجل تعميم وإطباق هيمنتها على العالم الثالث وتوسيع عملية نهبها , صحيح أن الشكل التقليدي العسكري لإخضاع الشعوب قد تقلص نسبياً, وانحصر في أماكن محددة في العالم كالعراق وأفغانستان , لكن ضعف هذه البلدان والتحولات الطبقية داخلها , وصعود البرجوازية الكمبرادورية إلى رأس الهرم السياسي فيها وتقاطع تحالفاتها الداخلية مع مصالح الرأسمالية , هذه الحقائق أعادت إنتاج أنماط إلحاق دول المحيط بالمركز الامبريالي سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وثقافياً, وإذا كان في وقت سابق ثمة جدل أو تباين حول مركزية هذا التناقض واعتباره التناقض الرئيسي الكوني الذي ينظم مجمل تناقضات القصر , فإن مرحلة العولمة الرأسمالية الامبريالية أعادت التأكيد بقوة على هذه الحقيقة , وعليه فإن مهمة انتصار الثورات الوطنية الديمقراطية وتحرر شعوب العالم من إطار التبعية والإلحاق للمركز الامبريالي على الصعد بات مفتاح تفاقم الأزمة العامة للرأسمالية , ومدخلا لفتح الباب على مصراعيه للنضال من أجل الاشتراكية وانتصار الطبقة العاملة على المستوى الكوني , ومؤشرات هذا التوجه بدأت بالظهور باتساع رقعة فك ارتباط دول أمريكا اللاتينية مع الامبريالية الأمريكية , واتساع نطاق الحركة الشعبية المناهضة للعولمة الامبريالية ؟ وعودة شعار بإعادة بناء النظام الدولي الإنساني الجديد على أساس علاقات التكافؤ بين الشعوب والتوزيع العادل للثروة , ونبذ كل أشكال القهر والاضطهاد والتمييز , وهذه الشعارات بدأت تحتل واجهة الأحداث على المستوى الكوني وغدا حضور الحركة الشعبية ميدانيا ملموسا في مناصرة نضالات شعوب دول المحيط
4- وارتباطاً بما سبق فإن التناقض بين البرجوازية والطبقات الشعبية في دول المحيط بدأ أكثر وضوحاً, وغدا النضال من أجل التحرر والاستقلال الوطني وثيق الارتباط بالنضال من أجل العدالة الاجتماعية , وهذا ما عبرت عنه شعارات الثورات الشعبية العربية التي حملت عناوين ( عيش, حرية , عدالة اجتماعية ) والنضال ضد الفساد وأشكال التبعية المتنوعة للمركز الامبريالي , ويمكن اعتبار ثورات الربيع العربي في كل من تونس ومصر نماذج على هذا التحول . وإن كانت العوامل الثورية في هذين البلدين غير مؤهلة حتى الآن للسير بالثورة نحو محطة تحقيق أهدافها الوطنية والديمقراطية , كما يمكن اعتبار انتصار تحالف القوى الاشتراكية في امريكا اللاتينية خطوة أوضح في هذا الاتجاه.
5- وسقوط الاتحاد السوفيتي أيضاً لم يلغِ الصراع بين الاشتراكية والرأسمالية من مسرح الأحداث وإن كان قد تراجع خطوات إلى الخلف في بداية الانهيار , ولكن عاد إلى الظهور ووجد تجسيده في ولادة أدوات جديدة وعبرت عن نفسها بالحركات الشعبية الدولية والدول التي أنجزت تحررها عن دول للمركز الامبريالي والحركات الثورية الممتدة في أسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية , وإن كان التناقض في شكله القديم كان يثير مخاوف انفجار حرباً عالمية ثالثة , وتعميم الدمار كنتيجة للصراع بين القوى العاملة الجبارة , فهو يأخذ اليوم الطابع المدني والشعبي الذي يفوت على أمريكا فرصة تضليل شعوب العالم من أخطار الحرب النووية وبناءا على ما تقدم فإن الامبريالية بعد انتصارها في الحرب الباردة استطاعت تجديد نظامها وتعريف أزماتها إلى المحيط ولكنها لم تستطع إلغاء التناقضات التي تعبر عن اتجاهات الصراع على المستوى الكوني , بقي أن نجيب عن مضمون الحقبة الكونية الراهنة ؟؟ قبل انهيار المعسكر الاشتراكي شخّصت الأدبيات الماركسية مضمون العصر بالانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية عبر تعاظم قوة المعسكر الاشتراكي الاقتصادية والسياسية وإحراز شعوب العديد من بلدان العالم تحررها الوطني وتفاقم الأزمة العامة للرأسمالية , فهل بقي هذا المضمون راهنا ؟؟ إذا اعتبرنا أن التناقض الأساسي الذي يحكم النظام الرأسمالي هو التناقض بين العمل ورأس المال , وإن حل هذا التناقض بين العمل ورأس المال غير ممكن دون حل التناقض بين الطابع الاجتماعي للعمل الذي يتسع ويتعزز في مرحلة العولمة , والطابع الخاص تملكية وسائل الإنتاج , فإن محصلة حل هذا التناقض ستقود حتما إلى انتصار الاشتراكية على المدى البعيد , وعلاوة على المضمون الاقتصادي فإن له تجلياته السياسية فما هو المظهر المعبر عن هذا الاتجاه ؟ المظهر الذي يكثف هذا الصراع على المستوى السياسي هو التناقض بين النزعة الليبرالية الجديدة والديمقراطية الشعبية . وقد يقول قائل أن النظام الرأسمالي ديمقراطي , وأن انتصار الديمقراطية على مستوى العالم لن ينشئ نظاما سياسيا واقتصاديا يتجاوز الرأسمالية , لكن هذا لا يتعدى سوا المظهر فقط , أما الجوهر فإن دور البرجوازية في النضال من أجل الديمقراطية السياسية في أوروبا كانت نتيجته المنطقية تحرير رأسمال وإزاحة كل العوائق التي تعترض طريق نموه بكنس كل بقايا وترسبات وحواجز النظام الاقطاعي فالحريات كانت ضرورية لتسريع حركة رأس المال , لكن الانتقال من نظام المنافسة الحرة إلى الرأسمالية الاحتكارية الشركات الكبيرة العابرة للقارات وولادة نظام الامبريالية الدولي , حمل معه كل أشكال القمع و الاستبداد ووضع علامة سؤال حول المضمون الحقيقي للديمقراطية البرجوازية , فالحق بالتعبير والتعددية السياسية والمساواة امام القانون وتكافؤ الفرص ظل شكليا في ظل سيادة عبودية الرأسمال الجديد , لأن من يستطيع استثمار هذه الفرص والنجاح هو من يملك أدوات الإنتاج سيظل قاصرا عن تحقيق المساواة في الحقوق والواجبات إذا لم يرافقه التوزيع العادل للثروة , وهذا الأمر غير ممكنا تحقيقه في ظل نظام الإنتاج الرأسمالي , إضافة إلى ذلك عن أن الحريات في البلدان الرأسمالية لم يقابلها تعميم الحرية في العلاقة مع شعوب العالم الثالث , التي ترافقت مع الجرائم البشعة التي نفذتها هذه الدول بحق شعوب المستعمرات . وعليه فإن الاسم الملائم لنظام الرأسمالية السياسي هو النظام الليبرالي , الذي انطلق اليوم الليبرالية الجديدة . بكل من تتسم به سياسات هذا النظام من وحشية وقسوة في استغلال الطبقات الشعبية وشعوب أهم دول المحيط , فضلا عن كل مظاهر الحرب والإجرام وتجاوز كل بديهيات حقوق الإنسان عبر النظام البوليسي الدولي الذي تجسده النظم السياسية الامبريالية لمرحلة العولمة .
أما الشكل النقيض للنزعة الليبرالية فهو الديمقراطية الشعبية أو ما أطلق عليها ماوتسي تونغ الديمقراطية الجديدة ومهمة إنجاز الديمقراطية أصبحت منذ ولادة نظام الامبريالية للدول الملقاة على عاتق الطبقة العاملة بديلا للبرجوازية وقد عبرت الأدبيات اللينينية عن هذا التحول لدى الحديث عن التداخل بين المهام الديمقراطية السياسية والاجتماعية ومهام النضال من أجل الاشتراكية , كما عبر عنها ماوتسي تونغ في أدبيات الثورة الصينية ومهام الطبقة العاملة وحلفائها في الثورة الوطنية الديمقراطية , أو على حد تعبير تشافيز بأن الليبرالية الجديدة هي الوجه الآخر للقمع الرأسمالي والنقيض للديمقراطية الشعبية التي أصبح حاملها الطبقات الشعبية الفقيرة هذا ما يمكن التعبير عنه بجدلية الارتباط بين الديمقراطية السياسية والاجتماعية وتحرير الطبقات الشعبية اقتصادياً من عبودية رأسمال وتحقيق العدالة الاجتماعية .
بهذا المعنى نستطيع القول بثقة أن مضمون الحقبة هو النضال من أجل الانتقال للاشتراكية عبر إنجاز مهام الثورة الديمقراطية الجديدة كمرحلة انتقال سياسية لكن ما هي أهم شروط نجاح هذه الثورة ؟
أولاً: إعادة بناء أداة نظرية الثورة الاشتراكية بإجراء المراجعة الدقيقة لمسارها السابق , والانفتاح على كل المدارس السياسية للماركسية بعيدا عن سياسة التخوين أو التعويم والانتمائية , فنظرية الثورة حصيلة تفاعل حي وفاعل بين أقطاب معسكر اليسار والقوى الديمقراطية الاجتماعية.
ثانياً: إعادة بناء أداة الثورة العالمية من خلال بناء مركز ديمقراطي يحتضن جميع أقطاب الحركة الثورية لتأطير الحركة الشعبية المناهضة للعولمة , وتفعيل عملية الاجتهاد لإغناء وتعميق تجربة الحركة الثورية بالبناء على إنجازاتها السابقة مركز يستهدف قيادة وتوجيه وحشد كل القوى الثورية المناهضة للامبريالية على المستوى الكوني والمناضلة من أجل تحقيق الاشتراكية . فأمام تكالب الشركات الرأسمالية المعولمة , ووحدتها وتضامنها في مواجهة الشعوب والطبقات الفقيرة , لا بد من تحقيق وحدة مناظرة تسترشد بمضمون النظام الجديد الذي ننشد تحقيقه , والمؤسس على العلاقات المتكافئة بين الشعوب والتوزيع العادل للثروة ونبذ كل أشكال القهر الوطني والطبقي وكل ألوان التمييز على أساس القومية أو الدين أو العرق أو الجنس
ثالثا : بناء امتدادات إقليمية وقطرية للأداة المركزية على المستوى الكوني ومساعدة الحركات الثورية خاصة في بلدان المحيط على تحقيق وحدتها وحشد عناصر قوتها . فالاشتراكية كانت وستبقى خيار الشعوب للانتصار على الاستغلال وإعادة الإنسانية للإنسان المستلب على وجه الأرض .
انتهى
*الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
سجن شطة
ديسمبر/ 2013
لم يأخذ نجاح خطة الهجوم الأمريكية المعاكسة على الاتحاد السوفيتي وقتاً طويلاً, فقد صيغت على يد مستشار الأمن القومي الأمريكي بريجنسكي في إدارة الرئيس ينكسون عام 1971 , وقد استندت الخطة على المحاور التالية :
1- توسيع رقعة الخلاف السوفيتي الصيني عبر الانفتاح على الصين والاعتراف بها ممثلاً وحيداً لدولة الصين في الأمم المتحدة بديلاً لتايوان.
2- تفعيل وإسناد مجموعة الضغط داخل الاتحاد السوفيتي تحت شعارات الديمقراطية , وحقوق الإنسان , وفي إطار المجموعات اليهودية المطالبة بالهجرة .
3- النفخ في التناقضات القومية لمكونات جمهوريات الاتحاد السوفيتي وبعد أقل من 20 سنة بدأت دول المنظومة الاشتراكية بالتهاوي الواحدة بعد الأخرى , وصولاً إلى القلعة الكبرى للاتحاد السوفيتي , وبديهياً أن لا ننسب هذا السقوط إلى نظرية المؤامرة والعدو الخارجي ,فأسباب الانهيار كانت داخلية بامتياز شأنه شأن أي عملية تغيير، فقد استطاع المطبخ السياسي الأمني الأمريكي قراءة تناقضات هذه المنظمة الداخلية وساعدت في النفخ فيها . وهذا يعني أن تراكم سياسات البناء الداخلي الخاطئة وصل إلى المستوى الذي لا يمكن إصلاحه , وبعبارة أخرى فإن المرض المزمن بات يحتاج لعملية جراحية وهذا ما عبرت عنه ثورة الطبقة الوسطى والمثقفين والأمم المكونة للاتحاد السوفيتي . صحيح أن البديل المنتج لم يكن أكثر رقياً أو تقدماً قياساً بالنظم السياسية المنهارة , وأن ما حدث كان بشكل أو بآخر نماذج للثورات المضادة , لكنها في نهاية المطاف كانت خياراً شعبياً التفت حوله الجماهير بما في ذلك الطبقة العاملة التي من المفروض أن تكون أداة حماية للاشتراكية . ومع ذلك انهيار الاتحاد السوفيتي حلقة أخيرة في هذا المنظومة تنفست أمريكياً الصعداء , فقد بدأ عصرها وانبرى مفكروها ينظرون لخلود الرأسمالية كما جاء على لسان المفكر الأمريكي من أصل ياباني فوكوياما ( إن الرأس المالية نهاية التاريخ ) كما انهارت أحلام وتوقعات شعوب العالم الثالث وحركات التحرر الوطني الديمقراطية . وإذا كان من السهل تبرير انهيار تجربة كومونة باريس كأول محاولة لتجسيد دولة العمال في عصر نهوض الطبقة العاملة ونضالها من أجل الاشتراكية , فالأولى حددت أسباب هزيمتها بعدم النضج الكافي للظروف الموضوعية وبعدم إقدام قادتها على تحطيم آلة الدولة البرجوازية , أما الثانية فقد استقرت أوضاعها خاصة في روسيا بعد انتصار الطبقة العاملة في الحرب الأهلية , وبعد أن قادت دولة الاشتراكية المنتصرة والتحالف الدولي في انتصارها على النازية والفاشية في الحرب العالمية الثانية , وتحرير دول شرق أوروبا وبناء أنوية اشتراكية ديمقراطية شعبية فيها , كما استطاعت أن تنقل رياح التغيير إلى العديد من دول أسيا , وإن تحقق قوانين الثورة في الصين , وفيتنام , كوريا , لاوس وكمبوديا , واستنهاض الأحزاب العالمية والاشتراكية في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية , وشكلّت شبحاً ثقيل الظل على كل النظام الرأسمالي العالمي إبان الأزمة الاقتصادية الكبرى عام 1929 , وعليه فمن الصعب حصر أسباب هذا الانهيار أو تسطيعه بالعوامل الفنية وغض النظر عن تحليل السياسات التي أنتجتها هذه الدول وسوقتها بأنها اشتقاق في المبنى العام للماركسية . كما لا يمكن أن نعيد الأسباب إلى جهل الشعوب التي شكلّت وقوداً لهذه الثورات هي نفسها التي حملت لواء الدفاع عن الاشتراكية في وقت سابق , وأنها انخرطت في هذه الثورات من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية . ومع أنها لم تنتج الأفضل ولم تحقق الحرية والديمقراطية والازدهار الاقتصادي , لكن ذلك ليس كافياً لوصفها بالثورات المضادة فقط . فاللجوء إلى هذا المنطق في الرد على تداعيات الهزيمة , يضع أصحاب هذا الرأي في عداد المدافعين عن سلطة الكنيسة أو الخلافة الإسلامية التي بررتها هزيمة سلطاتها بابتعاد الجماهير عن الدين .
فالماركسية ليست مذهباً أو ديناً أو مجموعة من التعاويذ بل منهج أسس على قوانين العلوم الاجتماعية والتاريخية والاقتصادية والطبقية، واستمرار تماسكه المنطقي يستمده من قدرته على مواكبة كل ما هو جديد في هذه العلوم لإغناء مضمونه . ولأن هذه الزلازل لم تكن عرضية أو عابرة , فمن الطبيعي أن يؤثر على كل المنظومات الفكرية والسياسية التي استمدت مبررات وجودها من الحقيقة المجسدة لرؤيتها في الدول الاشتراكية ولعل أول من تأثر ووصل حافة الانهيار كان منظومة الأحزاب الشيوعية الرسمية التي مثلها الاتحاد السوفيتي , فيما لم تتأثر بعض المجموعات كالتروتسكية والماوية أو القوى التي استقلت برؤيتها عن المدرسة الرسمية التي لا ملاحظات انتقاديه على التجربة السوفيتية , فالتروتسكيون اعتبروا تجربة المنظومة الاشتراكية وسياساتها خروجاً وانحرافاً عن منطق الثورة الاشتراكية ومبناها النظري أو الجمود والتحجر وافتقاد العملية والخروج عن منهج الماركسية الدياليكتيكي , ووصفوها بنموذج البيروقراطية الثورية , التي تستطيع على حد تعبيرهم الاستفادة من الدفعة الأولى التي أعطتها الثورة الشعبية باستنهاض الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية , ولكن بعد ضوء وهج هذه الدفعة وسرعان ما تضع هذه الأنظمة وجهاً لوجه أمام تناقضاتها الداخلية , فهذه التجربة استعاضت من جهة على سلطة الجماهير الشعبية بسلطة الحزب , وعن سلطة الحزب بسلطة الزعيم وأصبحت من وجهة نظرهم أشبه بسلطة الكنيسة , فقد صارت سلطة القادة سلطة الشعب وصادرت دورها واحتجزت مبادراتها ,كما افتقدت للديمقراطية الشعبية التي تعطي الدولة الجديدة مضمون سلطة الشعب المؤطر في مؤسسات وجمعيات واتحادات ونقابات ونساء ... الخ , كما أعادت إنتاج نمط علاقة الإلحاق للشعوب التي التحقت طوعا في الاتحاد العمالي الجديد , ولن تجسد المضمون الحقيقي لحق الأمم في تقرير مصيرها , وأخيرا جمدت ميكانيزمات الثورة الدائمة , أولا : على الصعيد الداخلي بالمحافظة على اندفاع الجماهير ومشاركتها , ثانياً : في عملية الدفع نحو استنهاض الطبقة العاملة في البلدان الرأسمالية ومدها بأسباب القوة , فقد تحولت الدولة الاشتراكية حسب رأيهم إلى دولة لا تختلف في سياساتها الخارجية عن الدول الرأسمالية المحكومة بتوازن المصالح . أما الماويون فقد تمادوا وبالغوا في وصف (رجعية) الدولة السوفيتية إلى درجة وصفها ( الدولة الامبريالية الاشتراكية ) , وفضلاً عن هذه المواقف التي جرمت التجربة منذ البداية كان هناك العديد من الانتقادات داخل إطار هذه التجربة في ظل وجهها الثوري , وليس أجل على ذلك مما قدمه غرامشي من رؤيا تستند إلى تعميق مضمون الدولة الاشتراكية الديمقراطية , وتقديمه النموذج الحي للكتلة التاريخية القادرة على استنهاض الجماهير في مرحلتي الثورة والبناء, هذه الأفكار التي تستمد منها تجربة بناء مؤسسات المجتمع المدني , وإذا شئنا التشخيص أكثر يمكن الاستدلال على عملية تحنيط النظرية أبان الحقبة الستالينية وما تلاها بالعودة إلى الأفكار التي قدمها لينين حول الثورة والدولة , وإنعاش المبادرة الشعبية وعناوين الديمقراطية في ممارسة الدور القيادي للحزب , أو ما قدّمه لينين حول حق الأمم في تقرير مصيرها , أو في مضمون السياسة الاقتصادية الجديدة التي أقرها الحزب أثناء قيادته له . فقد أدرك لينين أن روسيا غير مهيأة للانتقال الفوري للاشتراكية دون أن تقوم الطبقة العاملة بالدور الذي كان مناطا بالبرجوازية لكنس بقايا الإقطاع وكل أنماط الاقتصاد قبل الرأسمالية وعليه حدد سياسته ضمن العناوين التالية :
أولاً: أن على الدولة السوفيتية أن لا تقوم بسياسة حرق المراحل والقفز عن ضرورات إعطاء الرأسمالية مداها في تطوير الاقتصاد والتهيئة للانتقال نحو الاشتراكية , سواء عبر إنجاز الإصلاح الزراعي الذي يشكل عصب التحول الديمقراطي الذي كان أحد مهام البرجوازية للقضاء على علاقات الإنتاج الإقطاعية التي تعيق بناء السوق وضرورات تسريع ديناميات التطور الاقتصادي .
ثانياً: الدعوة بناءً على ما سبق إلى تشجيع الرأسمال المحلي واستحضار الرأسمال الأجنبي للعمل في روسيا ومنحه الحوافز , والامتيازات التي كانت تحظى بها في المجتمع السابق خاصة للكفاءات العلمية والتقنية والحاجة لها لبناء كادرات مؤهلة في الطبقة العاملة لقيادة مؤسسات المجتمع الجديد .
ثالثا : ما سبق يعني أن لينين وأن روسيا بحاجة إلى مرحلة انتقالية تتعايش فيها أنماط الإنتاج المتباينة الرأسمالية المتجسدة في القطاع الخاص والاشتراكية التي يمثلها القطاع العام , تحت قيادة وإدارة الطبقة العاملة والدولة السوفيتية . وإذا ما انتقلنا إلى السياسة فإن الحزب الشيوعي لم يدعو إلى إقامة دولة الحزب الواحد , فأول بناء للدولة السوفيتية استند إلى وجود ثلاثة أحزاب في البرلمان , هم الحزب الشيوعي وحزب الاشتراكيين الثوريين اليساريين , والجناح اليساري للحزب الاشتراكي الديمقراطي المناشفي لكن تداعيات الحرب الأهلية وانضمام هذه الأحزاب إلى الثورة المضادة وجبهة الخصوم أنهى وجودهم السياسي وحقهم الديمقراطي في المشاركة في السلطة , فمن يقرأ كتاب لينين ( مهام الاشتراكية ) الديمقراطية في الثورة الديمقراطية يستطيع التعيين أن الديمقراطية ببعدها السياسي والاجتماعي كانت محورية في برنامج الحزب , كما أن الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني الذي عمل بتوجيهات ماركس وكارل ليكينخت وبيبل رأى أن استكمال الثورة الديمقراطية جزءاً سياسياً من مهام الحزب ومرحلة ضرورية للانتقال إلى الاشتراكية . ودون الحاجة إلى الإسهاب فإن كل الأدبيات الماركسية لم تضع تعارضا بين الديمقراطية والاشتراكية , بل على العكس فقد بينت أن الديمقراطية لا تكتمل إلا حين تنتصر الاشتراكية ويصبح العامل حرا من عبودية رأس المال وعليه اعتبر قادة ومفكرو الماركسية ( أن الطبقة العاملة هي الطبقة الأكثر تأهيلا لقيادة وإنجاز الثورة الديمقراطية ) , وأن الطبقة العاملة حين تتحرر فإنها تحرر كل الطبقات معها , ماركس وفي إطار العلاقة مع القوميات أوضح قائلا أن : ( ليس حراً شعباً يضطهد شعوباً أخرى ) , وأما لينين في مؤلفه حق الأمم في تقرير مصيرها فقد سخر من آراء بعض قيادات الحزب التي خشيت من أن إعلان هذا المبدأ من شأنه أن يفسخ وحدة الطبقة العاملة في روسيا والبلدان الملحقة بها في ذلك الوقت , ويشدد على ضرورة الأخذ بمبدأ حق الأمم في تقرير مصيرها السياسي بما في ذلك الحق في الاستقلال وإنشاء دولها القومية الخاصة , وإن اتحاد هذه الدول في إطار الدولة الاشتراكية يجب أن يكون طوعياً , ومن خلال الإرادة الحرة لشعوب هذه الأمم ومن يقرأ كتابات ماركس عن الديمقراطية يجدها متقدمة في حين زمانه عن أقصى الآراء البرجوازية التي نادت بالديمقراطية , سواء عن تناولها لحرية الاعتقاد والتعبير , والصحافة وغيرها من مضامين الديمقراطية , فقد رأى مثلاً في قانون الرقابة على الصحافة أسوأ تعبير عن مطاردة حرية الرأي والتفكير , واعتبر أن وجود مثل هذه الهيئة ليس القصد محاسبة الكاتب عن خرقه للقانون الصحافي بل وأيضا محاسبته على النوايا , وشدد على ضرورة وجود قانون واضح لحماية حرية الصحافة وليس تكميمها . وقبل أن تجاهر الامبريالية بحقوق الإنسان بأكثر من قرن كان من أشد المدافعين وأكثرهم انسجاماً عن حقوق الإنسان . والآن إذا كانت هذه الأبعاد التي شكلت أسباباً للثورة على نظم الاشتراكية جزءاً من الفكر السياسي للماركسية، اذن لماذا انهارت هذه الدول ؟ الجواب المنطقي المنسجم مع الطابع الثوري للماركسية هو أن هذه التجارب انحرفت عن منهج النظرية , ليس فقط في التطبيق , لأن التطبيق استند إلى رؤية نظرية اختزلت المضمون العلمي للفكر الماركسي في محاور أساسية كالديمقراطية والبناء الاقتصادي والثورة الأممية , فبعد أن كانت الأممية الشيوعية ( الكومنترن ) تعبر عن أرقى منبر حر لتبادل الأفكار وإغناء النظرية وتجارب الأحزاب الشيوعية , ووصلت محاكماتهم إلى إجازة وجود أكثر من حزب شيوعي في بلد واحد يمكن عن طريق الحوار إنجاز وحدتها ,فإن هذه المؤسسة بعد وفاة لينين تحولت بالتدريج إلى كنيسة تكفر من لم يأخذ بقراءتها أو آراء ستالين أو الحزب الشيوعي تحت قيادته , وتمادى الحزب في مطاردة وتصفية أهم المفكرين أمثال : تروتسكي , زينومينف , كامينف ويوخارين , وكمافون غرامشي وقد لوحق تروتسكي إلى المكسيك وتم اغتياله , وفي تطور الحزب اللاحق أصدرت فرمانات التكفير بحق العديد من المفكرين من أمثال : ماندل والمفكر تروتسكي المعاصر الذي قدم أدق تحليل لتطور الرأسمالية في حقبة العولمة , كما أن فرانزفاتون الذي أبدع في قراءة دور الفلاحين الثوري في مرحلة التحرر الوطني , ووضع فكر خارج أيدولوجياً الطبقة العاملة , فالمؤسسة التي أسست لانتصار ثورة أكتوبر الاشتراكية واستندت إلى منهج التفكير العلمي تحولت إلى كنيسة كاثوليكية تعطي صكوك الغفران لمن لبس قفطانها والحرمان لمن اختلف مع تعاليمها . هذه المؤسسة التي كانت تقود تجربة قيمة في مواجهة الرأسمالية العريقة والمتجذرة والمستندة إلى نظام امبريالي دولي لنهب الشعوب , ومن الطبيعي أن تهزم وأن تخنق التجربة وتمنع عنها الماء والأوكسجين اللازمان لتجديد الحياة .لكن هل يؤسس كل ذلك الدعوة إلى العودة لتعالم ثورة أكتوبر , وكل مل قدمّه آباء الماركسية لتصويب المسار ؟ بالطبع لا لأن منطق الماركسية الجدلي لا يقر إلا بما تصطفيه الحياة , فلو أخذ ثوريو روسيا بأن الثورة مرشحة للانتصار في أكثر بلدان الرأسمالية تقدما لما انتصرت الثورة في روسيا , وعليه فإن منهج الماركسية الجدلي يرفض الجمود ويدعو على الدوام لقراءة تناقضات العصر الكونية والمحلية لأي تجربة كما هي في الواقع ,وصياغة برامجها على أساس هذه القراءة العلمية للتناقضات في ظروفها التاريخية الملموسة وهذا يعني أن التجارب الثورية لا يمكن أن تكون نسخا كربونية وإن استندت إلى القوانين العامة للثورة الاشتراكية فلكل ثورة إضافة لذلك قوانينها الخاصة . فقد جاءت الثورة الصينية وانتصرت بفعل برنامجها المستند إلى قراءة تناقضات الواقع الصيني وشكلت إضافة نوعية جديدة , وطورت الديمقراطية الاشتراكية بالطبعة الملموسة التي تعكس واقع الصين الاقتصادي والاجتماعي الملموس , وأغنت التجربة الثورية العالمية بتقديمها رؤيا للجمع بين المهام الوطنية والديمقراطية والتي أسماها ماوتسي تونج بالثورة الديمقراطية الجديدة , كما جاءت التجارب الثورية في كل من فيتنام ولاوس وكمبوديا وكوريا , إضافات وإسهامات جديدة , ونفس الشيء يمكن أن يقال عن تجربة زيمبابوي في ظروف التمييز العنصري أو الثورة في كوبا أو اليمن الجنوبي .
وبإعادة قراءة النتائج التي تولدت عن زلزال ما يسمى بربيع الشعوب في أوروبا الشرقية وروسيا , نرى أن الأحزاب التي التزمت بالماركسية بمنهج علمي وأنتجت نظريتها الثورية قد استطاعت التواصل والبناء على إنجازاتها , وكان التأثر بالزلزال عارضا ومؤقتا , فالأحزاب الشيوعية والاشتراكية في أمريكا اللاتينية تحقق اليوم انتصارات في ذروة عصر الهيمنة السياسية والاقتصادية لإمبريالية العولمة , وفي القارة التي كانت تعتبر الحديقة الخلفية لأمريكا , لكن كل ما تقدم لا يجيب سوى عن جانب واحد من السؤال , أما الجانب الأساسي فيوفره السؤال المركزي , فيما إذا كان انتصار الرأسمالية قد أوجد حلا للتناقضات الكونية , ولتناقضاتنا بشكل خاص التي أوجدت المناخ والشروط التاريخية لانتصار الاشتراكية السابق . فما هي هذه التناقضات التي تشكلت فيما مضى مضمون الحقبة التاريخية الكونية ؟ عشية انتصار ثورة أكتوبر الاشتراكية , شخص لينين التناقضات الكونية التي تمركزت في روسيا وأسست لانتصار الثورة فيها بما يلي :
أولا : التناقض بين العمل ورأس المال على المستوى الدولي المعبر عنه بالصراع بين الطبقة العاملة والرأسمالية .
ثانيا : التناقض بين الدول الرأس مالية في صراعها على توسيع أسواقها والتي أسست للحربين العالميتين الأولى والثانية .
ثالثا : الصراع بين الأمم المضطهدة في بلدان المستعمرات والامبريالية , كتناقض بين حركة التحرر الوطني والاستعمار الأجنبي .
رابعا : التناقض بين البرجوازية الوطنية والطبقات الشعبية في بلدان التحرر الوطني . وبعد انتصار الثورة الاشتراكية أضيف التناقض بين المعسكر الرأسمالي والمعسكر الاشتراكي إلى لوحة التناقضات وعبر عنه بالصراع بين أمريكا والاتحاد السوفيتي , واعتبره أنصار المدرسة الشيوعية الرسمية التناقض الرئيسي الذي ينظم مجمل تناقضات الكون . والآن هل أنهى انتصار الامبريالية في الحرب الباردة وسقوط المنظمة الاشتراكية إلى حل هذه التناقضات ؟؟ الجواب قطعاً بلا .
1- فالتناقض بين العمل ورأس المال بمعزل عن طابع تغيير وسمات الطبقة العاملة ورشوتها عن طريق حل أزمات الدول الرأسمالية على حساب نهب شعوب دول المحيط , فقد اضطرت الرأسمالية إلى تقديم تنازلات للطبقة العاملة . أولا بفعل نضالها , وثانيا من أجل احتوائها , تمثلت بتحسين مستواها المعيشي وتوسيع شكلية الضمان الاجتماعي لكن هذه الإجراءات وإن خفضت من حدة الصراع الطبقي لكنها لم تستطع إلغائه كتناقض موضوعي بين الطبقة العاملة والرأسمالية , والتي انضم إليها حلفاء جدد من أوساط الطبقة الوسطى والمثقفين والمنبوذين والملونين المهاجرين من أقطار العالم إلى بلاد السمن والعسل . ومع اتساع ظاهرة الحركة الشعبية المناهضة للعولمة والامبريالية , هذا الشكل الجديد لتنظيم الطبقة العاملة على المستوى الدولي سوا دليل على عجز الرأسمالية عن حل تناقضاتها أو إلغاء أزمتها العامة أو داخل كل قطر , فالأزمة المالية التي عصفت بهذه الدول لا زالت تعيش الجماهير تحت وطئتها سوى دليل إضافي على استمرار فعل هذا التناقض .
2- كذلك فإن التناقض بين الدول الامبريالية لا زال سمة ملازمة لعلاقاتهم وله تجلياته السياسية والاقتصادية , فالقطب الواحد بزعامة أمريكا بدأ يخلي مكانه لعالم متعدد الأقطاب بأشكاله السياسية والاقتصادية , ونستطيع الجزم بأن الوحدة القصرية التي حكمت علاقات الدول الرأسمالية في حقبة الحرب الباردة بدأت بالتفكك , وبدأت العديد من الدول بالتعبير عن نفسها سياسيا خارج العباءة الأمريكية , فضلا عن نشوء أقطاب جديدة كالصين والهند ودول أمريكا الجنوبية بدأت باحتلال موقعها في حلبة الصراع الدولي , إضافة لبروز الدور السياسي الروسي ودعوته بفاعلية إلى مسرح الأحداث وإن كان بدور مختلف عن مضمون دورها كدولة اشتراكية , ولا شك أن ترفع أمريكا شعار الحرب على الإرهاب وصراع الحضارات يعبر عن محاولة لاحتواء دول العالم الرأسمالي لعباءتها ومؤشرا على هذا التفكك.
3- نفس الشيء يمكن أن يقال عن الصراع بين دول المركز والمحيط الذي اتسعت رقعته بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وانطلاقة النزعة العدوانية والامبريالية والأمريكية على وجه الخصوص من أجل تعميم وإطباق هيمنتها على العالم الثالث وتوسيع عملية نهبها , صحيح أن الشكل التقليدي العسكري لإخضاع الشعوب قد تقلص نسبياً, وانحصر في أماكن محددة في العالم كالعراق وأفغانستان , لكن ضعف هذه البلدان والتحولات الطبقية داخلها , وصعود البرجوازية الكمبرادورية إلى رأس الهرم السياسي فيها وتقاطع تحالفاتها الداخلية مع مصالح الرأسمالية , هذه الحقائق أعادت إنتاج أنماط إلحاق دول المحيط بالمركز الامبريالي سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وثقافياً, وإذا كان في وقت سابق ثمة جدل أو تباين حول مركزية هذا التناقض واعتباره التناقض الرئيسي الكوني الذي ينظم مجمل تناقضات القصر , فإن مرحلة العولمة الرأسمالية الامبريالية أعادت التأكيد بقوة على هذه الحقيقة , وعليه فإن مهمة انتصار الثورات الوطنية الديمقراطية وتحرر شعوب العالم من إطار التبعية والإلحاق للمركز الامبريالي على الصعد بات مفتاح تفاقم الأزمة العامة للرأسمالية , ومدخلا لفتح الباب على مصراعيه للنضال من أجل الاشتراكية وانتصار الطبقة العاملة على المستوى الكوني , ومؤشرات هذا التوجه بدأت بالظهور باتساع رقعة فك ارتباط دول أمريكا اللاتينية مع الامبريالية الأمريكية , واتساع نطاق الحركة الشعبية المناهضة للعولمة الامبريالية ؟ وعودة شعار بإعادة بناء النظام الدولي الإنساني الجديد على أساس علاقات التكافؤ بين الشعوب والتوزيع العادل للثروة , ونبذ كل أشكال القهر والاضطهاد والتمييز , وهذه الشعارات بدأت تحتل واجهة الأحداث على المستوى الكوني وغدا حضور الحركة الشعبية ميدانيا ملموسا في مناصرة نضالات شعوب دول المحيط
4- وارتباطاً بما سبق فإن التناقض بين البرجوازية والطبقات الشعبية في دول المحيط بدأ أكثر وضوحاً, وغدا النضال من أجل التحرر والاستقلال الوطني وثيق الارتباط بالنضال من أجل العدالة الاجتماعية , وهذا ما عبرت عنه شعارات الثورات الشعبية العربية التي حملت عناوين ( عيش, حرية , عدالة اجتماعية ) والنضال ضد الفساد وأشكال التبعية المتنوعة للمركز الامبريالي , ويمكن اعتبار ثورات الربيع العربي في كل من تونس ومصر نماذج على هذا التحول . وإن كانت العوامل الثورية في هذين البلدين غير مؤهلة حتى الآن للسير بالثورة نحو محطة تحقيق أهدافها الوطنية والديمقراطية , كما يمكن اعتبار انتصار تحالف القوى الاشتراكية في امريكا اللاتينية خطوة أوضح في هذا الاتجاه.
5- وسقوط الاتحاد السوفيتي أيضاً لم يلغِ الصراع بين الاشتراكية والرأسمالية من مسرح الأحداث وإن كان قد تراجع خطوات إلى الخلف في بداية الانهيار , ولكن عاد إلى الظهور ووجد تجسيده في ولادة أدوات جديدة وعبرت عن نفسها بالحركات الشعبية الدولية والدول التي أنجزت تحررها عن دول للمركز الامبريالي والحركات الثورية الممتدة في أسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية , وإن كان التناقض في شكله القديم كان يثير مخاوف انفجار حرباً عالمية ثالثة , وتعميم الدمار كنتيجة للصراع بين القوى العاملة الجبارة , فهو يأخذ اليوم الطابع المدني والشعبي الذي يفوت على أمريكا فرصة تضليل شعوب العالم من أخطار الحرب النووية وبناءا على ما تقدم فإن الامبريالية بعد انتصارها في الحرب الباردة استطاعت تجديد نظامها وتعريف أزماتها إلى المحيط ولكنها لم تستطع إلغاء التناقضات التي تعبر عن اتجاهات الصراع على المستوى الكوني , بقي أن نجيب عن مضمون الحقبة الكونية الراهنة ؟؟ قبل انهيار المعسكر الاشتراكي شخّصت الأدبيات الماركسية مضمون العصر بالانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية عبر تعاظم قوة المعسكر الاشتراكي الاقتصادية والسياسية وإحراز شعوب العديد من بلدان العالم تحررها الوطني وتفاقم الأزمة العامة للرأسمالية , فهل بقي هذا المضمون راهنا ؟؟ إذا اعتبرنا أن التناقض الأساسي الذي يحكم النظام الرأسمالي هو التناقض بين العمل ورأس المال , وإن حل هذا التناقض بين العمل ورأس المال غير ممكن دون حل التناقض بين الطابع الاجتماعي للعمل الذي يتسع ويتعزز في مرحلة العولمة , والطابع الخاص تملكية وسائل الإنتاج , فإن محصلة حل هذا التناقض ستقود حتما إلى انتصار الاشتراكية على المدى البعيد , وعلاوة على المضمون الاقتصادي فإن له تجلياته السياسية فما هو المظهر المعبر عن هذا الاتجاه ؟ المظهر الذي يكثف هذا الصراع على المستوى السياسي هو التناقض بين النزعة الليبرالية الجديدة والديمقراطية الشعبية . وقد يقول قائل أن النظام الرأسمالي ديمقراطي , وأن انتصار الديمقراطية على مستوى العالم لن ينشئ نظاما سياسيا واقتصاديا يتجاوز الرأسمالية , لكن هذا لا يتعدى سوا المظهر فقط , أما الجوهر فإن دور البرجوازية في النضال من أجل الديمقراطية السياسية في أوروبا كانت نتيجته المنطقية تحرير رأسمال وإزاحة كل العوائق التي تعترض طريق نموه بكنس كل بقايا وترسبات وحواجز النظام الاقطاعي فالحريات كانت ضرورية لتسريع حركة رأس المال , لكن الانتقال من نظام المنافسة الحرة إلى الرأسمالية الاحتكارية الشركات الكبيرة العابرة للقارات وولادة نظام الامبريالية الدولي , حمل معه كل أشكال القمع و الاستبداد ووضع علامة سؤال حول المضمون الحقيقي للديمقراطية البرجوازية , فالحق بالتعبير والتعددية السياسية والمساواة امام القانون وتكافؤ الفرص ظل شكليا في ظل سيادة عبودية الرأسمال الجديد , لأن من يستطيع استثمار هذه الفرص والنجاح هو من يملك أدوات الإنتاج سيظل قاصرا عن تحقيق المساواة في الحقوق والواجبات إذا لم يرافقه التوزيع العادل للثروة , وهذا الأمر غير ممكنا تحقيقه في ظل نظام الإنتاج الرأسمالي , إضافة إلى ذلك عن أن الحريات في البلدان الرأسمالية لم يقابلها تعميم الحرية في العلاقة مع شعوب العالم الثالث , التي ترافقت مع الجرائم البشعة التي نفذتها هذه الدول بحق شعوب المستعمرات . وعليه فإن الاسم الملائم لنظام الرأسمالية السياسي هو النظام الليبرالي , الذي انطلق اليوم الليبرالية الجديدة . بكل من تتسم به سياسات هذا النظام من وحشية وقسوة في استغلال الطبقات الشعبية وشعوب أهم دول المحيط , فضلا عن كل مظاهر الحرب والإجرام وتجاوز كل بديهيات حقوق الإنسان عبر النظام البوليسي الدولي الذي تجسده النظم السياسية الامبريالية لمرحلة العولمة .
أما الشكل النقيض للنزعة الليبرالية فهو الديمقراطية الشعبية أو ما أطلق عليها ماوتسي تونغ الديمقراطية الجديدة ومهمة إنجاز الديمقراطية أصبحت منذ ولادة نظام الامبريالية للدول الملقاة على عاتق الطبقة العاملة بديلا للبرجوازية وقد عبرت الأدبيات اللينينية عن هذا التحول لدى الحديث عن التداخل بين المهام الديمقراطية السياسية والاجتماعية ومهام النضال من أجل الاشتراكية , كما عبر عنها ماوتسي تونغ في أدبيات الثورة الصينية ومهام الطبقة العاملة وحلفائها في الثورة الوطنية الديمقراطية , أو على حد تعبير تشافيز بأن الليبرالية الجديدة هي الوجه الآخر للقمع الرأسمالي والنقيض للديمقراطية الشعبية التي أصبح حاملها الطبقات الشعبية الفقيرة هذا ما يمكن التعبير عنه بجدلية الارتباط بين الديمقراطية السياسية والاجتماعية وتحرير الطبقات الشعبية اقتصادياً من عبودية رأسمال وتحقيق العدالة الاجتماعية .
بهذا المعنى نستطيع القول بثقة أن مضمون الحقبة هو النضال من أجل الانتقال للاشتراكية عبر إنجاز مهام الثورة الديمقراطية الجديدة كمرحلة انتقال سياسية لكن ما هي أهم شروط نجاح هذه الثورة ؟
أولاً: إعادة بناء أداة نظرية الثورة الاشتراكية بإجراء المراجعة الدقيقة لمسارها السابق , والانفتاح على كل المدارس السياسية للماركسية بعيدا عن سياسة التخوين أو التعويم والانتمائية , فنظرية الثورة حصيلة تفاعل حي وفاعل بين أقطاب معسكر اليسار والقوى الديمقراطية الاجتماعية.
ثانياً: إعادة بناء أداة الثورة العالمية من خلال بناء مركز ديمقراطي يحتضن جميع أقطاب الحركة الثورية لتأطير الحركة الشعبية المناهضة للعولمة , وتفعيل عملية الاجتهاد لإغناء وتعميق تجربة الحركة الثورية بالبناء على إنجازاتها السابقة مركز يستهدف قيادة وتوجيه وحشد كل القوى الثورية المناهضة للامبريالية على المستوى الكوني والمناضلة من أجل تحقيق الاشتراكية . فأمام تكالب الشركات الرأسمالية المعولمة , ووحدتها وتضامنها في مواجهة الشعوب والطبقات الفقيرة , لا بد من تحقيق وحدة مناظرة تسترشد بمضمون النظام الجديد الذي ننشد تحقيقه , والمؤسس على العلاقات المتكافئة بين الشعوب والتوزيع العادل للثروة ونبذ كل أشكال القهر الوطني والطبقي وكل ألوان التمييز على أساس القومية أو الدين أو العرق أو الجنس
ثالثا : بناء امتدادات إقليمية وقطرية للأداة المركزية على المستوى الكوني ومساعدة الحركات الثورية خاصة في بلدان المحيط على تحقيق وحدتها وحشد عناصر قوتها . فالاشتراكية كانت وستبقى خيار الشعوب للانتصار على الاستغلال وإعادة الإنسانية للإنسان المستلب على وجه الأرض .
انتهى
*الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
سجن شطة
ديسمبر/ 2013



